محمد بن الطيب الباقلاني
264
الإنتصار للقرآن
فإن قيل : هي في تبارك والكوثر بعض آية ، وفي الحمد آية تامة . قيل : هذا محال ، لأنّه لا يجوز أن تكون آية كاملة في موضع وفي غيره بعض آية وهي كلام واحد غير مختلف ولا متفاضل في نظمه أو عدد حروفه ، فكلّ هذا يدلّ على أنّها ليست بقرآن ولا آية من الحمد ولا من غيرها إلا في سورة النمل . وممّا يدلّ على ذلك أيضا قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] ، فلو كانت من الحمد ومن كل سورة لحفظها اللّه تعالى علينا ، وجعل لنا إلى العلم بذلك طريقا ، ولم ينكر سلف الأمّة وأكثر خلفها كونها قرآنا من الحمد ومن كل سورة ، كما أنّها لمّا كانت قرآنا من النّمل لم ينكر ذلك أحد ولم يختلف فيه . [ 154 ] فإن قيل : فإن لم تثبتوا بسم اللّه الرحمن الرحيم قرآنا ، باختلاف وخبر / غير متواتر فلا تثبتوا أيضا المعوّذتين قرآنا لوقوع الخلاف فيهما ! قيل لهم : معاذ اللّه أن يكون السلف اختلفوا في أن المعوّذتين قرآن ، وإنّما اختلفوا في إثباتها في المصحف ، وكان عبد اللّه بن مسعود لا يرى ذلك ، لأنّه لم يكن عنده سنّة فيهما ، فأمّا أن ينكر كونها قرآنا فذلك باطل . وشيء آخر ، وهو أنّه قد ثبت القرآن بإعجاز نظمه وإن لم يثبت بالتواتر ، والإعجاز قائم في المعوّذتين وليس هي في بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ولا خبر متواتر يعلم في ذلك ، فبطل ما قالوه . فإن قيل : فإذا قلتم إن بسم اللّه الرحمن الرحيم ليست آية من الحمد ولا من كل سورة هي في افتتاحها ، فهل تكفّرون من قال إنّها من الحمد وأنّه بمثابة من قال إنّ : « قفا نبك » من الحمد أم لا ؟